ابن عجيبة
317
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم صرفه عن نفسه إلى غيره ، يصدق عليه قوله تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وكان من شر الدواب التي أشار إليهم تعالى بقوله : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 22 إلى 23 ] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 22 ) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ( 23 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ ؛ وهو كل من يدب على وجه الأرض ، الصُّمُّ عن سماع الحق ، الْبُكْمُ عن النطق به ، الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ الحق ولا يعرفونه ، عدهم من البهائم ثم جعلهم شرها ؛ لإبطالهم ما ميزوا به وفضلوا لأجله ، وهو استعمال العقل فيما ينفعهم من التفكر والاعتبار . قال ابن قتيبة : نزلت هذه الآية في بنى عبد الدار ، فإنهم جدوا في القتال مع المشركين ، يعنى يوم بدر ، وحكمها عام . وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً ؛ سعادة كتبت لهم ، أو انتفاعا بالآيات ، لَأَسْمَعَهُمْ سماع تفهم ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ ، مع كونه قد علم الأخير فيهم ، لَتَوَلَّوْا عنه ، ولم ينتفعوا به ، وارتدوا بعد التصديق والقبول ، وَهُمْ مُعْرِضُونَ عنه ، لعنادهم ، وقيل : إنهم طلبوا من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحيي لهم قصى بن كلاب ، ويشهد له بالرسالة ، حتى يسمعوا منه ذلك ، فأنزل اللّه : وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ كلامه بعد إحيائه ، وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ، لسبق الشقاوة في حقهم . الإشارة : اعلم أن الأمر الذي شرف به الآدمي وفضل غيره هو معرفة خالقه ، واستعمال العقل فيما يقربه إليه ، وسماع الوعظ الذي يزجره عن غيه ، فإذا فقد هذا كان كالبهائم أو أضل ، ولله در ابن البنا ، حيث يقول في مباحثه : واعلم أنّ عصبة الجهّال * بهائم في صور الرّجال واعلم أيضا أن بعض القلوب لا تقبل علم الحقائق ، فأشغلها بعلم الشرائع ، ولو علم فيها خيرا لأسمعها تلك الأسرار ، ولو أسمعها ، مع علمه بعدم قبولها ، لتولت عنها وأعرضت ؛ لضيق صدرها وعدم التفرغ لها . ثم دل على ما فيه حياة القلوب ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 24 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ( 24 )